علاء الحطاب … حوارات الازمة

علاء الحطاب
 
كل بلدان ” التحول الديمقراطي” تعاني من وجود أزمات حقيقية ترافق هذا التحول في سبيل الوصول الى النظام السياسي الديمقراطي الذي يحكم الناس ، وتبقى حوارات هذه المرحلة الانتقالية أي – مرحلة التحول باتجاه الديمقراطية – من اكثر المراحل صعوبة وخلافات نتيجة سياسات المرحلة التي سبقتها .
لكن انتقالية هذا التحول لا تبقى دون زمن محدد فلابد للانتقالية هذه ان تنتهي بزمن محدد يرسم اليات ووسائل وستراتيجيات التحول نحو الديمقراطية وكذلك لابد من وجود سقوف محددة تعمل تحتها جميع القوى السياسية ولا تتجاوز هذه السقوف حفاظا على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي الذي يمنع نشوب الحروب الاهلية والفتن الداخلية والعيش باستقرار يسمح للناس بممارسة حياتهم اليومية وان كانت بلا تقدم وتطور ورفاهية، وهنا تكون حوارات هذه المرحلة محفوفة بالمخاطر والشد والجذب والصراع.
في العراق كان من المفترض ان تنتهي تلك المرحلة الانتقالية من النظام دكتاتوري الى نظام سياسي ديمقراطي تعددي يعمل تحت سقف دستور وسلطات منتخبة ومؤسسات يسيرها القانون وغيرها من مصاديق الأنظمة الديمقراطية، لكننا لم ننجح بالوصول بعد الى هذه المصاديق وما زلنا في مرحلة التحول التي طالت كثيرا ولا يوجد عمل حقيقي بالوصول الى منتهى الديمقراطية كنظام وممارسة تحكم البلاد .
لذا صار من الطبيعي بروز الازمات في كل مرحلة انتقال من حكومة الى أخرى تبرز معها الخلافات على اشدها وتتسارع وتتسع لغة التخوين والاتهام والابتزاز، ويبقى الحوار طريقا للوصول الى حل واتفاق وفي السنوات الماضية اعتدنا على جولات كبيرة من ” أزمات الحوار” بين القوى السياسية ابان تشكيل الحكومات.
ما يجري اليوم من حوارات في سبيل تشكيل حكومة جديدة تعمل على انجاز انتخابات مبكرة وتحقيق مطالب المتظاهرين وسط هذا الخوف والقلق مما يجري في المنطقة والعراق جراء انتشار فيروس كورونا وعدم السيطرة عليه عالميا مع ما يمتلك العالم المتقدم من الإمكانات الصحية الكبيرة يقابله تراجع كبير في واقعنا الصحي واستمرار التظاهرات وقبلها توصيات المرجعية الدينية التي رسمت مسارا لهذا التحول من خلال اختيار رئيس حكومة غير جدلي والتمهيد لانتخابات مبكرة، الامر الذي وضع القوى السياسية امام امتحان صعب وتحد حقيقي في الاستجابة للجمهور والامتثال لتوجيهات المرجعية وتحقيق مطالب المتظاهرين المشروعة ومن ثم الوصول الى استقرار داخلي معتد به يسمح بإدارة عجلة العمل في البلاد وتجاوز العقبات.
يجب على القوى السياسية ان تعي اليوم في حواراتها انها وسط ازمة ليست سياسية فحسب كالسابق وبالتالي من يملك نفسا أطول وأدوات اكثر في التفاوض يملك المبادرة ويحوز على  مكاسب سياسية اكبر،  – لا – عليهم ان يدركوا انهم في ” حوارات سياسية” يحيط بها مرض فتاك ان لم تتضافر الجهود للقضاء عليه او الحد من انتشاره – لا سمح الله – فلن تنفع اية عملية سياسية، وعليهم ان يدركوا ان حواراتهم ومخرجاتها محاطة ” برضا المتظاهرين” وتحت انظار المرجعية الدينية التي ترقب مدى التزام القوى السياسية بتوصياتها، سيما من ينتمون اليها، عليهم ان يدركوا ان عجلة العمل والاقتصاد وحتى التنقل مقيدة وشبه متوقفة منذ اندلاع التظاهرات ولا امل ولا عمل لانهاء تلك التظاهرات بالقوة ولا تسعى أي من القوى السياسية او غيرها الى التورط بذلك.
لذا فان حوارات اليوم يجب ان تستحضر كل ذلك واكثر وان تفكر بشكل جدي في حلول حقيقية وسريعة وناجحة وان كان على حساب استحقاقاتها ومصالحها السياسية والحزبية ” المشروعة” لان فترة التحول قصيرة زمنا تنتهي ببدء الانتخابات المبكرة التي لا تتجاوز عاماً واحداً وفق سقف التوقعات، وحكومة هذه الفترة ستكون مقيدة الى حد مهمتها إيصال البلاد الى تلك المرحلة، فالتنازل والمرونة والتفكير بالمستقبل مفاتيح مهمة لحل ” حوارات الازمة” التي لابد لها ان تختلف عن سابقاتها

علاء الحطاب